اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

08:11 مساءً , الخميس 28 جمادي الأول 1441 / 23 يناير 2020

أبرز الخدع التي تمارسها العقول على حامليها

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حوالة اليوم - عصام صالح آل جمعان :

يعد الدماغ من أكثر الأعضاء تعقيداً، حيث تأخذ العديد من العمليات الإدراكية والحسية والعاطفية مجراها فيه، وعليه، يمكن اعتباره الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الإنسان بصفة عامة.

لكن وبكل أسف، يسهل خداع العقل، نظرا إلى كم المعلومات الهائل الذي يتدفق له دفعة واحدة في بعض المواقف.

وتاليا بعض الطرق التي يخدعك دماغك بها والتي تشكّل سبباً يردعك عن الاعتماد عليه كليا وفي شتى الظروف:

أولا: الذكريات
إذ يعتقد غالبيتنا أنّ الذكريات تعد بمثابة الصور الفوتوغرافية التي تحفظ للمرء تفاصيل ماضيه الجميل، إلا أنّ الذكريات في واقع الأمر تتغير طوال الوقت ويمكن التلاعب بها.

وهنا، يذكر عالم الأعصاب "كريم نادر" أنّ المشكلة تكمن في حقيقة أنّ هنالك تفصيل صغير يتغيّر في الذهن كلما تذكر المرء شيئا ما، وعليه، كلما استجلب المرء ذكريات قديمة، نسي تفصيلاً من الأحداث الفعلية، وفي الواقع، إن اختلق المرء كذبة ما وردّدها على نفسه مراراً وتكراراً، فتختزن بذاكرته كما لو كانت حقيقة ولا يعد يراها كذبة فيما بعد.

وإذا لم يبدو هذا سيئا بالنسبة لك بما يكفي، فما رأيك إذا أخبرناك أن البعض يتلاعب بذكرياتك بسهولة بالغة، فيمكن أن يزرع البعض ذكريات وأفكارا في أذهان آخرين من خلال استغلال قوة الاقتراح.

كما أجرت الباحثة إليزابيث لوتفوس من جامعة واشنطن دراسة بهدف البحث في ذكريات الطفولة والتغيرات التي تطرأ عليها، وعرضت أربع قصص على المشتركين في الدراسة وأقنعتهم بأنّ أحد الأقارب كتبها جميعا.

وكانت إحدى تلك القصص خيالية وتتحدث عن حادث ضياعهم في إحدى المراكز التجارية، بينما كانوا في سن الطفولة، ووجهت لوتفوس بعدها الأسئلة على المشتركين حيال هذا الحادث وتبيّن أن ما يزيد على ربع المتطوعين استجلبوا أحداثا خيالية وافتراضية، وذكروا تفاصيل ليست هي سوى من نسج الدماغ في واقع الأمر.

ولعل ما يزيد الأمور سوءاً هو أنّ قبول الحقيقة وإثباتها يصبح بالأمر المستحيل بعد أن تترسخ المعلومات الخاطئة بالذهن، وهنا فكّر بالطائفة التي تؤمن بأنّ الكون سينتهي بتاريخ معيّن، حيث تمر الأيام والأسابيع والأشهر ويأتي ذاك اليوم ولا يكن أمامهم حل سوى أن يقنعوا أنفسهم بأنّ هنالك شيء ما طرأ على الخطة وأسباب محدّدة تتمثل وراء ذلك، ويتشبّث الأفراد أكثر وأكثر بأفكارهم كلّما واجههم الآخرون بالحقائق الفعلية.

ولا يعد التلاعب بالذكريات في ذاك الوقت يجدي نفعاً، كما يمكن للعقل أن ينخدع بصور مفبركة باستخدام وسائل التكنولوجيا المختلفة، هذا وأكّدت ذلك دراسة السيدة لوفتوس التي قامت بها بعرض بعض الصور المعدّلة لاحتجاج ميدان تيانانمن على المشتركين وتبيّن لها أنّ من رأى الصور المزوّرة عمد إلى تأويل الأحداث بصورة مغايرة للحقيقة في حين أنّ من لم ير الصور على الإطلاق نقل صورة أوضح عن الأحداث.

ثانيا: التركيز
وينجم عن التركيز بعض المشاكل الفريدة من نوعها، ولا سيّما مع القدرات الإدراكية والمعرفية، فعلى سبيل المثال، عرض على الأفراد فيديو للعبة كرة سلة بين فريقين ومرّ أحدهم وهو متنكر بزي الغوريلا، إلا أنّ مدى تركيز المشاهدين على اللعبة حال دون ملاحظة ما نسبته 50% منهم للغوريلا.

وتعرف هذه الظاهرة بالسهو الاختياري وتعد منطقية من وجهة النظر التطورية، فإذا كنت تصطاد، لن يكن لديك رغبة بإبعاد نظرك عن صنّارة الصيد ولو لدقيقة واحدة وستحاول تجنّب الملهيات قدر الإمكان، لكن تكون هذه الانتقائية مشكلة في بعض الأحيان.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ صورة الغوريلا تلك لا تفارق الذهن إن لفت أحدهم النظر عليها ولا يعد بإمكان المرء أن يردع نفسه من التفكير بها ولا يعد بإمكان العين والدماغ مفارقتها.
وإذا كان هنالك فكرة أو موقف أو صورة تكاد لا تفارق مخيلتك حتى بعد أن كرست جهودك وطاقتك في سبيل ذلك، فلا بدّ أنّ ذات المشكلة تتكرر معك، فتوجّه الجهود الواعية كامل تركيز المرء نحو الأمور التي لا يفترض بها التفكير بها، ويؤدي هذا إلى الهوس في بعض الحالات.

ثالثا: الحواس
حيث يشتم المرء في الكثير من الأحيان رائحة الطعام لدى ذكر أحدهم ووصفه له بطريقة مغرية، ويعد اشتمام تلك الرائحة من الطرق التي يخدع بها العقل حامله.

وهنا، أثبت المؤلف والكيميائي الأمريكي "إدوين سلوسون" قبل 100 عام أنّ الاقتراح يمثّل جزءا أساسيا من حاسة الشم لدينا، فقام حينها بصب القليل من الماء على قطنة وقدّمها إلى طلابه ليشتموها بعد أن أخبرهم أنّها مغمورة بمادة كيميائية قوية، وطلب من تلاميذه حينها أن يرفعوا أيديهم إن اشتموا لها رائحة.

بعدها، رفع غالبية طلاب الصفوف الأولى أيديهم في غضون 15 ثانية وكان ثلاثة أرباع طلاب الصف قد رفعوا أيديهم في الثانية الخامسة والأربعين.

فإذا كنت تواسي نفسك بأنّ ملاحظاتك الأساسية أكثر موثوقية بغض النظر عمّا إذا كان هنالك تلاعب بذكرياتك ومستوى تركيزك، فلتعلم أنّ ما تواسي به نفسك ليس سوى كذب وخداع للذات، فإنّ التلاعب الحسي يوقع فئة كبيرة في فخاخه ومن بينهم متخصصون ومحترفون.

وبكل الأحوال، لا يمكن لأحد أن يفهم تركيبة العقل بشكل تام، لكن كلّما تقبّل المرء فكرة أنّ الأخطاء حتمية، كانت عمليات الاحتيال والتلاعب التي يخضع لها أقل، فتذكر في نقاشاتك السياسية القادمة أنّه أياً كان المخطئ، فلن يسمح له عقله بالاعتراف بخطئه.
 0  0  1.6K
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:11 مساءً الخميس 28 جمادي الأول 1441 / 23 يناير 2020.