اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا .

08:21 صباحًا , السبت 25 ذو الحجة 1441 / 15 أغسطس 2020

الأستاذ عثمان بن أحمد : ثلاثي أضواء حوالة ... في الزمن الجميل  

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حواله اليوم (خاص )
ثلاثي أضواء حوالة ... في الزمن الجميل


يستهويني الماضي في دواخلي و جواحني خاصة عندما أدخل في حال تجلٍ مع النفس لا يعكر صفاءها إختلافات العصور و لا بغضاء الناس في أفكارها. و من له في الشعر و النوادر فلن يجد أعمق و أزهى من العصر العباسي في مكنون الثقافة الذي ساعد على تشخيص المعطيات الإنسانية و تصويرها لجوهر الإنسان و إنعكاساتها على متناقضات النفس من يأس و أمل و حزم و فرح و غيرها.

في ذلك العصر , نشأ في تلك الدور و بين أسبالها و فوق هضابها و على ضفاف أنهرها شخوص أوردت النوادر البليغة و الأشعار الفصيحة الممتعة التي كان قائلوها بمثابة مراكز إعلامية متنقلة بين دوواين الولاة و ساحات الناس إضافة الى دروب السفر و الحروب. و قد إشتهر في تلك الفترة شعراء و ظرفاء ساهموا في إثراء الأدب العربي و كانوا نجوم عصرهم و أنشغل الناس بشعرهم و بلاغة حكمهم و بنوادرهم و جرأتهم في القول كما في أشعار أبي نواس و نوادر الجاحظ و أبو العيناء و حِكم المتنبي و سخرية إبن الرومي و إبن دلامة .

هذا في الماضي البعيد, أما في الماضي القريب و بإسقاط تاريخي على ما كنت أتصوره و ما عايشته من وقت جميل في بلاد " حوالة " , أثناء حقبة زمنية في فترة الثمانينات والتسعينات الهجرية , كان فيها من الصفاء الشئ الكثير و من المودة المعنى العميق. فـ " حوالة " لها طبيعتها الجغرافية الممتدة من دار سنان الى دار الشرف وصولاً الى وادي الخيطان حيث كانت ديار بكر و تغلب و التي كانت من أشهر قبائل العرب قبل الإسلام . إضافة الى أن مظاهر حياة أهالي بلاد "حوالة" تتمثل في بساطة و تنظيم الحياة المعتمد على طرق عيشهم من ما تنتجه الأرض من خير و رزق و ما يستفيدون من أنعام و دواب لمساعدتهم في إيجاد قوت يومهم و التعامل مع معطيات البئية من حولهم. كل ذلك لم يمنعهم بأن يتعلقوا بما تعلق به العرب من الشعر و من الضحك و النادرة و حب الترويح عن النفس.

و نحن هنا لسنا في حال الشعر إنما في الظرافة و الظرفاء, كان هناك أساتذة في " حوالة " من لهم باع في فن النادرة و سرعة البديهه : أحمد بن عبد الله بن سعيَد و جمعان بن سعد و عبد اللطيف بن محمد, شخوص حوالية كان لها عالمها الخاص من الإبداع و الذكاء و الحس الراقي الذي يرسم صوراً مبهجة من خلال أخبارهم و نوادرهم و طرائفهم التي فيها المزاح البرئ و الضحك المبطن اللطيف و الفكاهة التي لا تخدش و لا تؤذي جلاء العقل. و على طريقة عصرنا الحديث فقد كانوا نجوم أضواء "حوالة" في الزمن الجميل و أشتهروا جميعا في الفكاهة و المرح من خلال حسن الحديث و متعة الرواية, ذات الرونق المختلف التي تعبر عنها خفة أرواحهم و نوادرهم و أجوبتهم المفحمة.

ذاع صيتهم في ديارهم و القرى المجاورة, و تداول الناس نوادرهم و تناقلوا أخبارهم لما فيها من المواقف النادرة و العبارات المحلية التي تصبح مثلا أو حكاية في كل مجلس سمر و في جلسات الضحاوي مما جعلها لحظات مازالت باقية باسمة طيبة لمن عاشها أو سمعها.

و مع تلك الصفات المبهجة و الشخصيات النادرة , كانوا ناجحين و مبهرين في حياتهم العامة, فكانوا من أفضل و " أشيك " الناس منظراً و أميزهم هنداماً و لهم خصال أخلاق تحترم من الجميع. هم كلهم من بيوت عريقة لها شأنها و مشهود لها بالخير و الكرم و الشيم في بلاد " حوالة ". كانوا من جيل الأوائل الذين عملوا في القطاع الحكومي في بداياته و في مراكز و مناصب مرموقة في بلجرشي و في الباحة و في القنفذة و أمتدت الى الرياض و جدة.

كان " أحمد بن عبد الله " مسؤولاً و مديراً للأحوال المدنية في بلجرشي و له أفضال و مساعدات في تيسير أمور الناس في المنطقة و غطت شهرته و فصاحته وروحه الإيجابية معظم المناطق التي عمل بها. كما أن " جمعان بن سعد " عمل و تدرج في مراكز و مناصب في قطاع وزارة الزراعة و قد كان من الشخصيات المحبوبة خلال عمله, و مازال من عمل معه و رافقه يتذكر أنسه و إبتسامته الطويلة مع كل كلمة يقولها. أما " عبد اللطيف بن محمد " فهو أستاذ النوادر و رفيق لا يمل منه في سفر و في مشوار و مع كل درب له موقف و دعابه, و كان أيضاً من موظفي فرع وزارة الزراعة و يتمتع بشهرة واسعة في أوساط مجتمع بلجرشي و منطقة بلشهم.

إن ذكراي لهذه الشخصيات المميزة هو من باب الوفاء لمن كان لهم من لحظات سعادتنا نصيب و حظ وافر في معرفتهم, فقد كانوا ناجحين في حياتهم مع الناس و مع أهلهم في " حوالة " و تمكنوا من المحافظة على علاقاتهم مع الجميع و كانوا أيضا ناجحين في بناء أسرهم و تربية أولادهم التربية الناجحة الكريمة... حفظ الله من هم في مقام أباءنا و إخواننا الكبار : أحمد بن عبد الله و جمعان بن سعد و عبد اللطيف بن محمد , و حفظ أهلهم و أبناءهم من كل مكروه و متعهم بالصحة و العافية و العمر المديد.

*********

خاطرة :

روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال : ( إحموا هذه القلوب و التمسوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان, و النفس مؤثرة للهوى آخذة بالهوينا جانحة الى اللهو طالبة للراحة, فإن أكرهتها تفنيها و إن أهكلتها أرديتها )


دمتم ... و دام عز حوالة .. و أهلها


عثمان بن أحمد العثمان

مدينة الجبيل الصناعية


 65517  0  1.6K
التعليقات ( 3 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    01-23-1435 10:24 مساءً ابو ماهر :
    استاذي العزيز والغالي ابو احمد . .
    اتمنى ان يُوثق كل ماتجود به علينا من كتابات لاعادة صياغة تاريخ حواله "ان جازلي التعبير" ويُحفظ في مكان أمين لكي يكون ارث للاجيال القادمه وخصوصا لمن لم يعش في "الديره" . هنيئاً لنا وجودك بيننا لحفظ تاريخ حواله . . يا ابن حواله البار.

    ملاحظه ارجوا تقبلها . . تغيير "القنفذه" ب "الليث"
  • #2
    01-24-1435 10:08 صباحًا ابو مازن :
    سطرت يابوأحمد أجمل العبارات عن هؤلاء الرجال وهم جزء لايتجزء من تاريخ حواله ولهم كل إحترام وتقدير من الجميع كما أوافق الرئي الأخ أبوماهر في توثيق ماتكتبه من أجل أجيالنا القادمة وحفظ لتاريخ حواله سلمت يابوأحمد.
  • #3
    01-25-1435 12:32 مساءً الزمن الجميل :
    ابو احمد نبهنا الى فكره كان لازم ننتبه لها.
    قليل جدا من يعرف عن الشخصيات القديمة.
    ممكن لو الصحيفه تهتم بتسجيل مقابلات معهم يكون افضل .
    فمثلا فضيل مات الله يرحمه بدون ان نتعرف نحن الشباب على شخصيته في حوار . مع انه كان مثالا واستاذا لكثير من الجماعة .
    والله فكره .
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:21 صباحًا السبت 25 ذو الحجة 1441 / 15 أغسطس 2020.